ابن عربي
513
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
حتى قالت طائفة : إن شكر المنعم واجب عقلا ، جعل اللّه التحدث بالنعم شكرا ، فإذا سمع المحتاج ذكر المنعم مال إليه بالطبع وأحبه ، فلذلك أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتحدث بنعم اللّه عليه ، لأن التحدث بنعم اللّه شكر لفظي ، لما فيه من الثناء على اللّه ، لما يكون منه وبما أنعم به عليه من النعم المعلومة في العرف ، من المال والعلم ، فإظهار النعم عين الشكر وحقه ، وبمثل هذا يكون المزيد ، كما يكون بالكفران لها زوال النعم ، والكفران سترها ، فإن الكفر معناه ستر ، وإذا ذكر العبد ما أنعم اللّه به عليه من النّعم المعروفة في العرف من المال والعلم فقد عرض نفسه ليقصد في ذلك ، فيجود به على القاصد ، فيدخل بذلك في الشكر العملي ، لأن من النعم ما يكون مستورا لا يعرف صاحبها أنه صاحب نعمة فلا يقصد ، فإذا حدث بما أعطاه اللّه وأنعم عليه به قصد في ذلك ، فلهذا أمر بالحديث بالنعم ، والتحدث بالنعم شكر ، والإعطاء منها شكر ، فيجمع بين الذكر والعمل ، ومن هذا نعلم أن اللّه لا يحب من عباده من يستر نعمه ، كانت النعم ما كانت ، فما تحدث به لم يستر ، وقال [ التحدث بالنعم شكر ] وإذا أنعم اللّه على عبده نعمة أحب أن ترى عليه ، ونعمه التي أسبغها على عباده ظاهرة وباطنة ، ومن ستر النعمة فقد كفر بها ، ومن كفر بها أذاقه اللّه لباس الجوع والخوف لستر النعم وجحدها والأشر والبطر بها ، وفي هذه الآية نص لمن قام الدليل على عصمته ، فله أن يثني على نفسه بما أعلمه اللّه أنه عليه من الصفات المحمودة ، فإنها من أعظم النعم الإلهية على عبده . قال يوسف عليه السلام ( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) [ نصيحة : إذ ولا بد من الحديث فلا تتحدث إلا بنعمة ربك : ] - نصيحة - إذ ولا بد من الحديث فلا تتحدث إلا بنعمة ربك ، وأعظم النعم ما أعطيت الأنبياء والرسل فبنعمهم تحدث . ( 94 ) سورة الشّرح مكيّة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لقد حاز صلّى اللّه عليه وسلّم المقام الأدنى في الآخرة والأولى فالعالي يقول ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) والأعلى يقال له ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) العالي يقول ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) والأعلى تقرر عليه النعم .